/ الْفَائِدَةُ : (8/275) /

05/04/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [طُولِيَّةُ الْحُجَجِ وَمَرَاتِبُ الْمُحْكَمَاتِ فِي مِيزَانِ الْوَحْيِ] [نَسَقُ الطُّولِيَّةِ فِي حُجَجِ الوَحْيِ وَهَيْمَنَةُ أُمَّهَاتِ الـمُحْكَمَاتِ] إِنَّ لِحُجِّيَّةِ الْخَبَرِ مَرَاتِبَ طُولِيَّةً تَتَرَتَّبُ تَبَعاً لِجِهَاتٍ عِدَّةٍ ، تَنْحَصِرُ أَهَمُّهَا فِي ثَلَاثٍ : الرُّتْبَةُ الْأُولَى : حُجِّيَّةُ الْمَتْنِ وَالْمَضْمُونِ . الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ : اعْتِبَارُ الْمَصْدَرِ وَصِحَّةُ الْكِتَابِ . الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ : حُجِّيَّةُ الطَّرِيقِ وَالسَّنَدِ . ثُمَّ إِنَّ ذِرْوَةَ هَذِهِ الْحُجَجِ وَأَعْظَمَهَا شَأْناً وَأَعْلَاهَا كَعْباً هِيَ (الْمُحْكَمَاتُ)(1) ؛ وَهِيَ بِدَوْرِهَا تَتَفَاوَتُ فِي مَرَاتِبَ طُولِيَّةٍ ، يَتَرَبَّصُ عَلَى رَأْسِ هَرَمِهَا (أُمَّهَاتُ الْمُحْكَمَاتِ) ، وَمَعْنَاهَا : الْمَرْكَزُ الْمِحْوَرِيُّ ، وَالْقُطْبُ الْمُهَيْمِنُ عَلَى سَائِرِ الْآفَاقِ الْمَعْرِفِيَّةِ . وَهَٰذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأوِيْلِهِ](2). فَإِنَّهُ وَإِنْ ذَهَبَ الْبَعْضُ فِي تَفْسِيرِ (الْإِحْكَامِ) إِلَىٰ جِهَةِ الدَّلَالَةِ فَحَسْبُ ، إِلَّا أَنَّ التَّحْقِيقَ يَقْضِي بِأَنَّ عِظَمَ الْإِحْكَامِ وَعُمْدَتَهُ لَا يَنْحَصِرَانِ فِي وُضُوحِ الدَّلَالَةِ ، بَلْ يَتَجَاوَزَانِ ذَلِكَ إِلَى جِهَةِ الْمَتْنِ وَالْمَضْمُونِ بِمَا يَحْوِيهِ مِنْ مَعَادَلَاتٍ عِلْمِيَّةٍ وَمَعَارِفَ كُلِّيَّةٍ مُحِيطَةٍ وَمُهَيْمِنَةٍ عَلَى مَا دُونَهَا . نَظِيرُهُ : الْعُلُومُ الْبَشَرِيَّةُ ـ كَالرِّيَاضِيَّاتِ وَالْفِيزِيَاءِ وَالْكِيمْيَاءِ ـ ؛ حَيْثُ تَنْطَوِي عَلَىٰ قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ وَمُعَادَلَاتٍ عِلْمِيَّةٍ فَوْقِيَّةٍ ، مُحِيطَةٍ وَمُهَيْمِنَةٍ عَلَىٰ سَائِرِ مَسَائِلِ وَمَبَاحِثِ عُلُومِهَا الْمُخْتَصَّةِ بِهَا ، وَعَنْهَا تَنْشَعِبُ أَبْوَابُ الْعِلْمِ وَتَفَاصِيلُهُ . وَهَٰذَا مَا أَوْضَحَتْهُ مَعَالِمُ الْوَحْيِ أَيْضًا ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ ذِكْرُهُ) : [وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ](3). فَإِنَّهُ بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ جَلِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَعَادَلَاتِ الْعِلْمِيَّةَ وَالْمَعَارِفَ الْإِلَهِيَّةَ الْمُودَعَةَ فِي مَطَاوِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، تَتَمَتَّعُ بِسَعَةٍ وَإِحَاطَةٍ وَهَيْمَنَةٍ تَتَجَاوَزُ بِمَا لَا يَتَنَاهَى مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ سَائِرُ الصُّحُفِ السَّمَاوِيَّةِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ(4). ثُمَّ إِنَّ (الْإِحْكَامَ) فِي نِظَامِ الْمَعَانِي وَالْمَضَامِينِ رُتْبَةٌ بَائِنَةٌ عَنِ (الْإِحْكَامِ) فِي نِطَاقِ الْبَلَاغَةِ وَالدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ ؛ وَوُقُوفُ الْمَرْءِ عَلَى جَوْهَرِ الْإِحْكَامِ الْمَعْنَوِيِّ مَرْهُونٌ بِوَفَارَةِ الْعِلْمِ ، فَهِيَ عِلَاقَةٌ طَرْدِيَّةٌ ؛ وَكُلَّمَا تَرَقَّى الْعَبْدُ فِي مَعَارِجِ الْعِلْمِ ، صَعَدَ فَهْمُهُ فِي تَشْخِيصِ (الْمُحْكَمِ) . وَعُصَارَةُ الْقَوْلِ : إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ ـ وَإِنْ كَانَ نُورًا وَحُجَّةً قَطْعِيَّةً فِي جَمِيعِ شُؤُونِهِ ـ إِلَّا أَنَّ الْبَارِيَ (عَزَّ وَجَلَّ) حَذَّرَ فِيهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَرَاتِبِهِ ، وَنَهَى عَنِ الِاسْتِبْدَادِ بِفَهْمِ مَقَاطِعِهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَنْظُومَتِهِ الْكُلِّيَّةِ ؛ فَاتِّبَاعُ (الْمُتَشَابِهِ) بِمُفْرَدِهِ يُورِثُ الزَّيْغَ وَالْفِتْنَةَ ، وَلَا سَبِيلَ لِلْهِدَايَةِ إِلَّا بِرَدِّ الْمُتَشَابِهَاتِ إِلَى (الْمُحْكَمَاتِ) تَحْتَ رِعَايَةِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ـ وَهُمْ أَهْلُ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ـ لَا بِالرَّأْيِ وَالْعَقْلِ الْمُجَرَّدِ. فَمَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ ، إِلَّا أَنَّ نِظَامَ الْمَعَادَلَاتِ الْمَعْرِفِيَّةِ فِيهِ يَتَفَاوَتُ طَبَقَاتٍ فِي الْعَظَمَةِ وَالْأَهَمِّيَّةِ . وَعَلَى هَذَا الضَّابِطِ تُقَاسُ (السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ) ؛ فَهُمَا يَرْتَضِعَانِ مِنْ ثَدْيٍ وَاحِدٍ ، وَمِنْ هُنَا جَاءَ التَّأْكِيدُ الْمَعْصُومِيُّ عَلَى أَنَّ فِي أَخْبَارِهِمْ مُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا لَا يَجُوزُ إِعْمَالُ الثَّانِي إِلَّا بِمِيزَانِ الْأَوَّلِ . فَلَاحِظْ : بَيَانُ الْإِمَامِ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : « مَنْ رَدَّ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ إِلَى مُحْكَمِهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » ، ثُمَّ قَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : « إِنَّ فِي أَخْبَارِنَا مُتَشَابِهًا كَمُتَشَابِه الْقُرْآنِ ، وَمُحْكَمًا كَمُحْكَمِ الْقُرْآنِ ، فَرُدُّوا مُتَشَابِهَهَا إِلَى مُحْكَمِهَا ، وَلَا تَتَّبِعُوا مُتَشَابِهَهَا دُونَ مُحْكَمِهَا فَتَضِلُّوا »(5). وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الْمُرَادُ بِالْمُحْكَمَاتِ : هِيَ (الْقَوَانِينُ الدُّسْتُورِيَّةُ الْمُبَدَّهَةُ) ؛ وَحَقِيقَةُ الْمُحْكَمَاتِ فِي الْكِتَابِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهَا تُفِيدُ (يَقِيناً وَحْيَانِيّاً) مَحْضاً . لَكِنْ : مَتَى مَا وَلَجَتْ هَذِهِ الْمُحْكَمَاتُ فِي (وِعَاءِ الْمُتَلَقِّي) غَيْرِ الْمَعْصُومِ ، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ عَنْ مَحْضِيَّةِ الْوَحْيِ وَالْإِحْكَامِ الصِّرْفِ لِتَصِيرَ حُجِّيَّتُهَا (ظَنِّيَّةَ الدَّلَالَةِ) فِي حَقِّهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَا قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ بِتِلْكَ الدَّلَالَةِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَرِيمِ (الْيَقِينِ الْحِسِّيِّ) أَوْ حَدْسِ الْمَخْلُوقِ ، وَهُوَ مَقَامٌ مَظِنَّةٌ لِلْخَطَأِ وَالِاشْتِبَاهِ ، مِمَّا يَؤُولُ بِحَقِيقَةِ هَذَا الْقَطْعِ ـ بِالْمَلَاظِ الْفَلْسَفِيِّ وَالْمَعْرِفِيِّ ـ إِلَى حُكْمِ الظَّنِّ . فَالتَفِتْ ، وَتَدَبَّرْ مَلِيّاً . وَبِالْجُمْلَةِ : إِنَّ (الْمُحْكَمَ) بِمِلَاظِ صُدُورِهِ عَنِ الْبَارِي (جَلَّتْ عَظَمَتُهُ) يُمَثِّلُ (يَقِيناً مُطْلَقاً) ، بَيْدَ أَنَّهُ بِمِلَاظِ كَوْنِهِ (مَفْهُوماً) لِلْمُجْتَهِدِ أَوِ الْمُكَلَّفِ يَسْتَحِيلُ إِلَى (ظَنٍّ مُعْتَبَرٍ) ؛ ذَلِكَ أَنَّ الْفَهْمَ الْبَشَرِيَّ مِرْآةٌ قَدْ يَعْتَرِيهَا الْخَطَأُ فِي عَكْسِ الصُّورَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْوَحْيِ . وَهُنَا يَتَجَلَّى سِرُّ الْحَاجَةِ الْمُلِحَّةِ وَالدَّائِمَةِ لِلرُّجُوعِ إِلَى (الْمَعْصُومِ) ؛ بِوَصْفِهِ الْمُتَلَقِّيَ الْأَوْحَدَ الَّذِي يُطَابِقُ وِعَاؤُهُ حَقِيقَةَ الْوَحْيِ بِلَا غَبَشٍ أَوْ تَفَاوُتٍ . (2) آلِ عِمْرَانَ : 7 . (3) الْمَائِدَةِ : 48 . (4) مَعْنَى كَلِمَةِ (التَّوْرَاةِ) فِي اللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ : الشَّرِيعَةُ . وَمَعْنَى كَلِمَةِ (الْإِنْجِيلِ) فِيهَا أَيْضاً : الْبِشَارَةُ الْمَلَكُوتِيَّةُ . (5) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 2 : 185 / ح9